chat2

 

 

 

 

 

 

العنوان: عامية الفصحاء وفصاحة العامة (3)
الكاتب: سعود الحركان
التاريخ: ٢٠١٠/٤/٢٧

 

قد يعترض على معترض بالقول بأن الأدب العربي ثري بالنصوص والخطب الفصيحة. وأن كتّاب تلك النصوص والخطب لم يكونوا من العامة ولا احتاجوا للعامية. وقد يتساءل: أولا يتناقض ذلك مع استنتاجك في المقال السابق؟

كي نقدم جواباً مقبولاً للاعتراض أعلاه علينا أن نستخدم ما وصلنا إليه في المقال الثاني لتعريف ما يسمى بـ «العامية». فالعامية التي نتحدث عنها ليست كل نقيض لما كان يسمى تقليدياً بـ «الفصحى». ما نتحدث عنه، مرة أخرى، هو أنماط فكرية تحدد بقواعد متغيرة - بحسب احتياجات المجتمع العملية - أساليب للربط العام (التوصيلات العصبية الممكنة) وأساليب للربط الخاص (ما يقابل الربط النحوي) وأساليب للربط البليغ (فصيح يقابل فصيح الفصحى).

لندرس، الآن، ما يميز أنماط العامية الفكرية وكيف تختلف عن أنماط الفصحى وعيوب وميزات كل منها.
لنعد لمثل الطفل الذي حفظ ثلاث مفردات هي : باب، دخل، ولد بتحديد خلايا عصبية لكل مفردة في المكان المخصص من دماغه لنجد أن العامية تسمح له، إضافة إلى ما تسمح به الفصحى، بعدد غير متناهٍ من المجموعات بين المفردة ونفسها والمفردة وغيرها من المفردات . لا يحد عملية الربط إلا الحاجة العملية الاجتماعية، فتدخل في العامية مجموعات جديدة مثل: (باب باب، باب، الباب، والبيب، والبوب، الخ). ثم تأتي قواعد الربط النحوية (تسمى في العامية التواصلية) لتقليل الاختيارات لما يحتاجه الطفل للتواصل مع باقي المجتمع وتهمل باقي الاختيارات. ثم تأتي الفصاحة لتنقي عملية التواصل بتقليل القائمة إلى اختيار واحد فقط يطلق عليه مصطلح (البليغ).

نراك أقحمت مصطلح «البلاغة» الفصيح، بالمنظور التقليدي، في عالم العامية المائع. في الحقيقة، أن تلك هي النقطة التي أريد الوصول إليها. «البلاغة» في أطروحتنا العامة ليست من ممتلكات الفصحى ولا حتى بمنظورها التقليدي. إنها، أقصد البلاغة، مجرد جسر مهم بين العالمين. الدليل على ما أقول بلاغة كتابي ألف ليلة وليلة و سيرة عنترة بن شداد رغم خلوهما من أي عناصر فصيحة. أقصد بلاغتهما في حمل القارئ إلى عالم الخيال بتراكيب لغوية محدودة الاختيارات.

tri2أهذا يعني أننا لسنا بحاجة للفصحى، كما يزعم بعض المغرضين؟
ما نحن بحاجة إليه هو أنماط فكرية مبتكرة تستفيد من الفصحى في قدرتها على تدريب العقل على النظام والترتيب والقياسية، ومن العامية في قدرتها على صناعة شيء من لا شيء. في الحقيقة، أن أشد ما نحتاج إليه هو «عامية» نقدية تعيد غربلة الأصول وتوسع لنا اختيارات التوصيل بين الخلايا الدماغية بما يتماشى واختيارات العصر العملية والصناعية. نحتاج، كذلك لـ « فصحى» جديدة تتعايش مع العامية وتقدم لها أدوات نقدية تعينها على ضبط أدوات التواصل نحوياً وتستوعب في نفس الوقت ما في العامية من ابتكارات.

أنت تحلم. قد يقول قائل. فلا الفصحى «المتحجرة» ولا العامية العربية «الجامحة» ستقبل أن تذوب في مرجل التسامح والتعاضد الذي تصف. وجوابي على ذلك الاعتراض بأننا قد لا نقبل الموضوع فلسفيا، لكننا قبلناه - ونقبله كل يوم - من خلال بلاغة البلغاء وعطائهم الفكري (ليس للفصحى في اللغة العربية ثوب أوسع من الجملة إلا ثوب البلاغة الذي قص نصف قماشه، كما رأينا سابقاً، من العامية). ما ينقصنا هو تحويل تلك الممارسات التي عرفناها، منذ القدم، إلى أنماط فكرية وبثها من خلال برامج تعليم اللغة.

أين العامية في الشعر العربي العامودي التقليدي؟ قد تقول.
في حرية الشاعر العربي وكسره للقواعد بحثاً عن أبلغ وصف لتجربته.

عودة للمقال الأول

 

 

.

 

 

 

botton14 botton13 botton12
بحث في موقع الثابت المتحرك فقط
اخر تحديث للصفحة في 27 / 4 /2010 - 6:00 صباحاً بتوقيت مكة المكرمة.