العنوان: عامية الفصحاء وفصاحة العامة(١)
الكاتب: سعود الحركان
التاريخ: ٢٠١٠/٤/٢٤
ما هي الفصاحة؟ ومن هم الفصحاء؟ وما علاقتها بالعامية إن كانت هناك علاقة؟
هناك عدة متجهات لتعريف مفردة الفصاحة. أهل فقه اللغة يعتبرون الفصاحة استخدام مفردات من صميم اللغة. أما النحاة فيضيفون شرط صحة البناء النحوي حتى يصير الكلام فصيحاً - مع بعض التساهل مع الشعر والشعراء. البيانيون يضيفون لشروط صحة بناء الكلام نحوياً ظهور معناه وحسن نظمه وخلوه من العيوب (البيانية). مما يعني، في النهاية، أن الفصاحة حسب التعاريف السابقة هي وصف لنتاج فئة اجتماعية خاصة هي أدباء المدارس التقليدية وكل من سلك مسالكهم فقط.
في الطرف الآخر، تقف العامية حرة لا قيد عليها تعرف في اللغة على أنها «ما كان على لسان العامه من لهجات على غير سنن الفصحى».
لنبدأ الآن بوضع بعض التساؤولات المهمة عن الموضوع؟
لو قبلنا التعاريف السابقة للفصاحة فما نقيض تلك «الفصاحة»؟ أهي «العي» و «الحصر» (عدم القدرة على التعبير عن الأفكار) أم هي «العامية» - قاصدين بتلك المفردة ما هو خارج الإرث الثقافي لأدباء المدرسة التقليدية؟
إن كان الجواب بأن «العي» و «الحصر» هما نقيضا «الفصاحة» فهذا، بدون شك، سيخرج كثير من أدباء المدارس التقليدية من المقلين أو ممن لم يعبروا عن فصاحتهم، إما لعزلتهم أو لفقدان آلة من آلات التعبير، عن دائرة الفصحاء. أما إن كان الجواب بأن «العامية» - كل ما هو خارج الإرث الثقافي لأدباء المدرسة التقليدية - هي نقيض «الفصاحة» فهذا يعني أننا بحاجة لدراسة تلك «العامية»، بأسرع وقت، وتقييم منتسبيها، لأنه يستحيل أن نشمل ابن سينا، وكتاباته العلمية، وابن رشد، ورسائله الفلسفية، في قائمة واحدة مع شعراء الطش والرش في عصرنا الحديث.
في الحقيقة، أن هناك خطأ ثقافي عميق في تلك التعاريف؛ هذه طبيعته وتفسيري له.
التعاريف السابقة تعاريف تجزيئية لا تأخذ في الاعتبار طبيعة النصوص كوسيط بين ملقٍ ومتلقٍ. لا تأخذ في الاعتبار. كذلك، التجربة الموصوفة في النص ومدى قدرة التص على وصفها. فقرآن الرب سبحانه وتعالى خالف تلك التعاريف باستخدام مفردات غير عربية. في مواضع عدة، ووضع قواعد لغوية لم يعرفها العرب، وابتكر أساليب بيانية لا سابق لها ولا أحد يجرؤ على إخراجه من دائرة الفصيح من القول. ما اهتم به القرآن هو وصف التجربة الإيمانية لأبناء العرب بعمق غير مسبوق ضمن حدود لغتهم وقدراتها على وصف مثل تلك التجارب. فكان ذلك الكتاب المجيد أفصح الفصيح.
نستنتج، مما سبق، أن الفصاحة ليست مفردات ولا تراكيب ولا بيان، بل قدرات ومهارات على وصف أي تجربة بـ «الوسائط» - الأدوات التعبيرية المتوفرة لشخص بعينه. مما يعني أن هناك فصحاء في الأدب التقليدي وفصحاء بين العامة وفصحاء بين المسرحيين والممثلين والموسيقيين،، الخ . وهذا يعني، أيضاً، أن استخدام أي أداة تواصلية مهما كانت «فصاحة» مفرداتها وصحة «روابطها» في غير مكانها أو زمانها يعتبر نقيضاً للفصاحة وقتل لها.
انتقل إلى المقال التالي في السلسلة


