chat2

 

 

 

 

 

 

العنوان: لا أريد أن أتعلم العربية
الكاتب: سعود الحركان
التاريخ: ٢٠١٠/٤/٢٤

هذا المقال مقدمة لسلسة من أربعة مقالات بعنوان « عامية الفصحاء وفصحاء العامية»

كلنا تقريباً ، من أبناء الثقافة العربية، نحب لغتنا ونفخر بها. بيد أننا، في نفس الوقت. نكره التعامل مع تفصيلاتها العلمية. نكره، بصراحة، نحوها وصرفها وتراكيبها البيانية المعقدة. عذرنا، الذي نتحجج به، جميعاً، أن مسالك تلك العلوم صعبة ومنطقها مستحيل. ثم هناك السؤال: ما الدعي لتعلم قواعد لغة لم نعد نحتاج لأكثر من العامية للتواصل بها؟

ما سر تلك المشاعر المتناقضة، ياترى؟
أما أسباب الحب فهي معروفة. فاللغة العربية حافظة تاريخنا وتراثنا الاجتماعي والديني. إنها أبرز تعبير لما يسمى بـ «الأنا» الجماعي لأمة يزيد عدد أفرادها عن المائتي مليون شخص، هذا إن استثينا المسلمين من غير العرب. أما أسباب الكراهية فهو موضوع استعصى تفسيره على الكثيرين من قبلي، حيث لام البعض اللغة نفسها ومبانيها - صعبة التقعيد - بينما لام، البعض الاخر، النحاة والبيانين، وراح آخرون بعيداً فلآموا مدرسي اللغة وغلظوا عليهم الكلام.

أنا، في هذا المقال لن أنافح عن رأي ولن اعتبر الحب ميزه عند المحبين والكراهة عيب عند الكارهين. في الحقيقة، أنني أعتبر وجود الحب والكراهة في نفس الوقت داء بحد ذاته. إنه، في رأي المتواضع، تعبير عن شرخ عميق في البناء التعليمي للغة. شرخ عبر عن نفسه، قديماً، في التنافر بين العامية والفصحى. وحديثاً في إجبارنا، كمستخدمين للغة، على أنماط فكرية متحجرة، تشعرنا دوماً بالنقص وقلة القيمة أمام الإبتكار والتقدم التقني الذي يميز عصرنا.

بالطبع، رأي الذي عبرت عنه أعلاه مجرد اطروحة وسأستخدام الفراغ الإبداعي التالي لتعضيد مبناها.

لنبدأ، أولاً، بتعريف أنماط التفكير على أنها مهارات مكتسبة تمكننا دون تفكير من:
- تحديد الثوابت الثقافية لا أمر ما، ثم تحديد استراتجيات توسيعها بعد ذلك .
- ربط الثوابت الثقافية بغرض بناء مركبات فكرية معقدة (أفكار)، ثم تعميمها أو محاكاتها.

لنأخذ فكرة ونحاول عملياً شرح ما نقصد.
أتذكر يوم اشتريت هاتفك الجوال الأول؟
يومها لم تكن تعرف من ذلك العالم، في أحسن الأحوال، إلا مفردتين: (هاتف) و (متنقل). أتذكر أنك ما أن أمسكت بذلك الهاتف حتي وجدت نفسك أمام سيل من المفردات والمصطلحات والمفاهيم التي لم تكن تحلم أنها موجودة: برامج، رسائل نصية، ذاكرة،، قوائم الخ. هل تذكر كيف وقف منطقك، الذي اعتدت استخدامه، عاجز أمام ذلك الجهاز «اللعين»؟ اللعن هنا ليس سب، بل مجرد تصوير للإنفعال الذي لا ينساه كل من مر بتلك اللحظات المريرة، عندما اكتشف أن عليه، كي يستخدم ذلك الجهاز، تعلم المنطق (النمط التفكيري) الذي بني على اساسه ذلك الجهاز. (للمعلومية فإن كل الاجهزة الحاسوبية مبنية على أنماط فكرية صناعية خاصة شديدة التباين عن الأنماط الفكرية الثقافية المعتادة.)

أعود للغة محاولاً استكشاف الشرخ الذي ذكرته؟ أسبابه وآثاره وكيف فات على الفطاحل من قبلي؟
بالطبع، لا تبدأ رحلتنا مع الأنماط الفكرية بشراء أول هاتف نقال، بل بالخروج من أرحام أمهاتنا. في تلك اللحظات الحرجة من حيواتنا تبدأ عمليات التلقي الحسي وتسجيل الأحداث ضمن دائرة معرفية تدعى «المخيلة». في البداية يكون التسجيل عشوائياً وعلى شكل تحديد خلية عصبية في منطقة محددة من الدماغ لكل معلومة (يقسم الدماغ البشري إلى مناطق بحسب التخصص فهناك منطقة للبصر ومنطقة للشم،،الخ - هذه المناطق مخصصة لتحليل وأرشفة المعلومات لكل صنف من أصناف المؤثر الحسي (المعلومات)). ثم يتطور الأمر، بعد أن يتخطي الطفل عامه الأول، عندما تبدأ الثقافة، التي ينتمي اليها ذلك الطفل، في تهذيب أساليبه في تسجيل المعلومات وحفظها. في تلك الفترة، أيضاً، تبدأ عملية تدريب الطفل على عمليات ذهنية متزايدة التعقيد تدعى عمليات «الربط» أو التفكير. وهي عمليات يستطيع الطفل من خلالها توصيل أي مجموعة من الخلايا العصبية، المقرونة بالمعلومات في المناطق الدماغية المختلفة، ببعضها البعض بتوصيلات عصبية بغرض بناء مركبات فكرية بالجمع (مثل: دخل ولد) أو الطرح، (مثل: لم يدخل)، ( لآحظ ، عزيزي القاريء، أنه على رغم من أن عمليات عمليات «الربط» أو التفكير عمليات ذهنية إلا إن التوصيل بين الخلايا العصبية يكون بـ»أسلاك» عصبية دقيقة.)

مثال عملي:
لو أن طفل حفظ ثلاثة مفردات هي : باب، دخل، ولد بتحديد خلايا عصبية لكل مفردة في المكان المخصص من دماغه. ثم قام بالربط بينها بتوصيلات عصبية فسيكون لدية عندها اثنا عشر مسار للومضات العصبية مكونة المجموعات التالية:
دخل ولد، ولد دخل، دخل باب، باب دخل، ولد دخل باب، دخل ولد باب، ولد باب دخل، باب ولد دخل.
دخل باب ولد، باب دخل ولد، باب ولد، ولد باب..

هنا تتدخل اللغة وضوابطها لتحدد عدد من تلك المجموعات على أنها صحيحة - يمكن استخدامها كأداة للتواصل الواضح الفعال ضمن البيئة الثقافية التي يعيش فيها الطفل. لاحظ، في المثل أعلاه، أنه على الرغم من صحة التوصيل العصبي (الربط) في كل المجموعات إلا أن قواعد اللغة لا تقبل إلا ثمانية مجموعات (الملونة باللون الأحمر) كجمل صحيحة.

مالذي يحدث إن تعرقلت عمليات التلقي والتأثر بالمحيط أو عمليات الربط لأسباب عضوية أو ثقافية؟ إن تباطأت عمليات التلقي أو الربط لأسباب عضوية ( كسوء التغذية أو الأمراض العضوية أو الوراثية) تباطأت عملية التعليم - بناء التوصيلات العصبية الجديدة وبقي الطفل رهن التوصيلات التي بناها مسبقاً (لا أحد يستطيع أن يتوقف عن التعليم إلا إن مات دماغياً) صار الطفل «متخلف». أما إن كانت الأسباب ثقافية فتتولد عندها أخلاط من الكراهية والحب، كالتي نشعر بها جميعاً عند التعامل مع اللغة العربية وما يترتب عليها من شعور بالإحباط والنقص، وفي حالات خاصة أنواع من الرهاب الاجتماعي المرضي؟

إن فهمناك جيداً فأنت تكاد تجزم بأن أعراض الحب المخلوط بالكراهية، التي نشعر بها عند التعامل مع اللغة العربية، لا علاقة له باللغة ومكوانتها، بل بكونها أداة كان من المفروض أن تطور قدراتنا على الربط وبناء أنماط فكرية متطورة. لكنها، ولسبب غير معلوم، خذلتنا وتركتنا حيرى، لا ندري أي مسلك نسلك؟

نعم، أنا لا ألوم اللغة نفسها كونها كيان حيوي يؤثر ويتأثر . أنا أصب كل لومي على المدارس اللغوية التي أفرزتها الثقافة العربية قديماً وحديثاً التي ركزت، وما زالت تركز، كل جهدها على العناية بالنصوص والأنماط الفكرية والجدل على حساب عمليات تطوير المهارات السمعية واللسانية والكتابية للناشئة (القدرة على الربط في شكلها الذهني).

لآحظ، عزيزي القاريء، أنني أتحدث عن مهارت سمعية ولسانية وكتابية وأتسائل متى سيتوقف علماء اللغة، نحاة كانوا أو بيانين، عن الحديث عن الفعل والفاعل والكناية والسجع ويبدؤن في استكمال مشروع بناء المهارات؟ متى سنفتح مدارس لتعليم الكتابة الحرفية والأدبية؟ ومتى ستزود مدارسنا بمعامل لغوية للغة العربية كمعامل اللغة الانجليزية؟ متى ستقنن أدوات الترقيم؟ متى سنعرف، كثقافة، أشكال قياسية للعبارة والمقال والجملة؟

وكانت ردة الفعل الثقافية لإبعاد النحاة والبيانين علم اللغة بعيداً عن بناء المهارات أن ابتكرت الثقافة - «بذكاء» فطري غير مسبوق - اساليب للتحايل على الفراغ المعرفي الذي يفاجأ كل ناشأ بعد أن يتخطى الاساسيات. العامة اختاروا العامية - التي سمحت لهم بتطوير أنماط فكرية جديدة لكنها بلا مرجعيات ولا ثوابت موضوعية - والخاصة تنمطوا بآنماط من سبقوهم الفكرية بالحفظ عن ظهر قلب وفنون والنقل والشرح وشرح الشرح. ونتج عن ذلك الوضع الغريب هرج ومرج أظهر، وياللغرابة، أفكار فصيحة (أنماط فكرية مبتكرة) يعبر عنها بالعامية، وأفكار عامية (أنماط فكرية رخيصة مبتذلة) يعبر عنها بالفصحى.

تخيل، عزيزي القاريء، أنه بعد ألف وأربعمائة سنة تقريباً من وضع علم النحو لا نجد برنامجاً واحد واضح لتطوير مهارات استخدام لغتنا الحبيبة. الأدهي والأمر أن النظم التعليمية مازلت تعتبر علم النحو والصرف الغامض المفكك فكرياً أداتنا الوحيدة لتعليم اللغة، مما يعضد الشرخ المعرفي ويعطل قدراتنا على التلقي الحسي والربط ويحعلنا جميعاً ممن يقول:
أنا لا أريد أن أتعلم العربية.

انتقل إلى المقال التالي في السلسلة

 

botton14 botton13 botton12
بحث في موقع الثابت المتحرك فقط
اخر تحديث للصفحة في 24 / 4 /2010 - 6:00 صباحاً بتوقيت مكة المكرمة.