![]()
رغم أن حرفة الكتابة وتأليف الكتاب ونسخه وصياغته بالشكل المعروف غابرة في القدم, إلا أن صناعة الكتاب فن حديث ساير تطورات صناعة الطباعة وماشى الفنون المقترنة بها. ثم جاء العصر الحديث, وما حمل من قفزات تكنولوجية مذهلة, فنقل صناعة الكتاب معه نقلات نوعية كان لها أكبر الأثر حتى في أساليب وطرق تلقي المعرفة.
أكبر تلك القفزات، دخول جهاز الكمبيوتر تلك الصناعة، النقطة التاريحية التي تحول فيها الكتاب إلى مجرد «وسيط» ناقل للمعلومة..
قد تقول: ما لفرق بين كون الكتاب مجرد «كتاب» وبين أن يكون «وسيطا»؟
الفرق ببساطة:
1- أن الوسيط مجرد شكل تعبيري لفكرة في ذهن شخص. بالطبع، هذا يعني أن اختيار أن يكون الوسيط (نص) لا يعني أنه الأفضل ولا الأبلغ، بل مجرد اختيار.
2- امكانية خلط الوسيط بواسائط اخرى، كالرسومات والصور.
3- أن االوسيط دائماً تحت سيطرة فكرة انشائية تقرر: مضمونه، شكله ومكانه ضمن المنظومة المعرفية للملقي والمتلقي. أو ما يسمى بـ »المفهوم».
تعريف المفهوم
عملية فنية يقوم فيها الكاتب (أو من يوكله) بالتفاعل مع مجموعة من الخيارات الصناعية بغرض توجيه تفاصيل أجزاء الكتاب لخدمة الفكرة الكلية للكتاب.
مترتبات التعريف
أن بناء الكتب كوسيط يتطلب مهارات معينة تمكن صانع الكتاب من وضع مجموعة من الاختيارات الصناعية التي من شأنها تقديم المعلومات الموجودة في الكتاب ضمن منظومة فكرية دقيقة تلمس عقل القاريء وباقي حواسه.
باقي حواسه؟ قد تقول: وما الحاجة للمس حواس القاريء إن كنت سأكتب كتاباً في الرباضيات؟
الجواب: أن نظريات التعليم الحديثة استنتجت أن قدراتنا على التلقي الحسي أكبر بكثير من قدراتنا على التلقي الفكري، ومتى ماقرن الإثنان فنحن بصدد ترقي معرفي لا يوصف. ترقي انتج لنا الالات الحديثة بارعة الآداء لذيذة المظهر، كبعض "المحمولات" التي تشعر بأنك ترغب في أكلها، لا مجرد استخدامها كألة.
بناء المفهوم
حيث أن كل كتاب مكون من: فكرة، مادة وجرم خارجي فهناك تبع لذلك ثلاثة مفاهيم تحتاج لأن تتعامل معها أثناء صناعة الكتاب:
مفهـــــــوم جرم الكتاب الفكري
لكل كتاب فكرة. وكل فكرة وليدة تسلسل أصله الحاجة ومنتهاه الإشباع. لذا فإن الاختيارات الصناعية المتوافرة للمفكر هي:
- أسلوب اختيار الوسائط، كالصور والرسومات والشروحات، وأماكن وضعها.
- أسلوب بناء المخفيات.
- بناء الصفحات النمطية والمتغيرة.
مفهـــــــوم جرم الكتاب الفني
أهم الاختيارات التي توفرها صناعة الكتاب الحديث:
- نوع الورق.
- مقاس الكتاب.
- تصميم الصفحات.
- أسلوب تقسيم الفصول بصرياً.
- اختيار نوع البنط.
- اختيار ألوان الكتاب (لون أو أكثر).
- تصميم الغلاف.
مفهـــــــوم جرم الكتاب الموضوعي
يخضع المفهوم الموضوعي، كالمفهوم الفني، لثوابت صناعية تتلخص في الاختيارات الآتية:
- أساليب تبويب الكتاب وتفصيله.
- أساليب تقسيم كل فصل إلى فقرات مترابطة.
- أساليب تقسيم كل فقرة إلى عبارات مترابطة.
- اختيار مادة ما قبل النص.
- اختيار مادة ما بعد النص.
التفيذ
نقصد به عملية الانتاج الفعلية للكتاب «الوسيط» تحت تأثير «المفهوم» المقترح لبنائه وذاك عادة ما يشمل:
- البنـــاء الرقمــي.
- استخراج الأفلام والمواعين.
- طباعة الغلاف والداخـل.
- التشـــطيب.
ما يهمنا هنا هو البناء الرقمي للكتاب، لكون باقي الخطوات من اختصاص المطبعة وحرفييها.
البناء الرقمي للكتاب
التوزيع الوظيفي للمختصين في بناء الكتاب رقمياً
قبل الحديث عن البناء الرقمي أحب أن أشير لمؤهلات الأشخاص الذين بوسعهم التعامل مع كل جزء من أجزاء الكتاب رقمياً. ( النظر التوزيع الوظيفي في صناعة الكتاب).
ملاحظة:
في المشاريع الصغيرة يمكن اختزال كل الوظائف في شخص واحد.
في المشاريع الكبيرة يجب على المؤلف أن يكون ملماً بما يتوقعه من كل مختص حتى وإن لم يكن مختصاً في الموضوع. تذكر أن بناء المفهوم وتنفيذه عملية ذوقية/فكرية تقوم على وضع عدد كبير من الاختيارت، وبوسع أي شخص القيام بتلك الاختيارات؟
مالذي يحدث إن ترك الاختيار بيد المختصأ أي شخص آخر سوى المؤلف؟
تذكر أن الفكرة شيء في ذهن المؤلف لا يعرف ولا يقرر شكلها التعبري النهائي إلا هو.
الشكل الرقمي للكتاب
بناء الكتاب رقمياً هو عملية تحويل كل الوثائق المتعلقة بمادة الكتاب إلى وثيقة (أو أكثر) ذات خصائص فنية خاضعة لمفاهيم فكرية وفنية وموضوعية من المفروض أن تدعم فكرة الكتاب وتسهل على المتلقي الوصول اليها. أهم خصائص تلك الوثيقة أو الوثائق أنها:
- رقمية يسهل نقلها عبر وسائط نقل المعلومات الرقمية، كالأسطوانات المضغوطة و[الفلاش ميموري].
- ذات نوعية عالية تسمح بتحويلها إلى أفلام بطابعات الأفلام [الايميج سيتر] المتطورة. أو سحبها على شكل مواعين بلاستيكية [سي تي بي]. (لا تزعجك الأسماء الأجنبية. إنها مجرد أوصاف لنوعين من التكنولوجيا، إحداهما تقوم على استخراج أفلام طباعية، ثم صناعة شرائح من الزنك تستخدم في طابعات [الأوفسيت]، بينما الثانية تقوم، مباشرة، باستخراج شرائح بلاستيكية تستخدم على نفس الطابعات).
- يمكن فتحها في أي حاسوب محمل بنفس برنامج صناعتها (نفس الإصدار أو أحدث منه).
للمزيد عن الموضوع راجع كتابي "اللون والطعم والرائحة" - من منشورات ايمي للنشر، و كتاب "صناعة كتاب" للشادي سعود الحركان من منشورات الأوثاب للنشر- السعودية. اتبع الرابط


