
قصة صيف
والآن سأبدا الحديث عن الشهور الثلاثة الماضية والتي كان لها أبلغ الأثر في حياتي بترتيبها ضمن خريطة متعددة الأبعاد - يضاف للأبعاد الثلاثة المعروفة فيها: الزمن ، والروح، والخيال، ومابعد الخيال كأبعاد مترابطة متشابكة تؤثر على بعضها البعض.
الأبعاد الثلاثية للرحلة
موريشس ، أرض الخيال وأقوس المطر والريح والسماء الزرقاء والجوع والندرة والتاريخ المعكر بألاعيب الساسة والمستعمرين وقطاع الطرق، موريشس تلك الجزيرة النائية (المتحضرة) احتضنتني كما تحتضن الأم رضيعها وغذتني من صدرها المفعم بالخيال والأسرار والصمت.
هناك، لقيني الموت عند باب الطائرة وحكي لي قصة طويلة عن صديق لي مات عبطة وقت وصولي لتلك الأرض البعيدة. قصة مريرة (عذبة)؛ كفاح لا معنى له، وصراع ضد الخيانة والوحدة أنتهى ببساطة (بالغة التعقيد) كما تموت الشعلة في رأس الشمعة، بنسمة هواء.
ودفنت ذلك الصديق بيدي تحت هتْان في مقبرة - في وسط الجزيرة- انتشرت في ارجائها الزهور والشواهد والتواريخ والقصص التي انتهت كما انتهت قصة صديقي بلا سابق انذار.
عدت بعدها لعالمي بحثاً عن خيوط قد توصلني مرة أخرى لأطراف خيوط تركتها منشرة على شواطيء تلك الجزيرة في رحلاتي السابقة لها. دققت أبواباً ولقيت صيادين وفتحت كتب لي منثرة بين مزارع القصب وغابات المدار؛ آه، ما أجمل أن يرى الأنسان بذور غرسها على أرض خصبة قد صارت بماء السماء وشئابيب الأمل دوحة بعد دوحة.
لكن وعلى الرغم من ذلك بقيت وحيداً لا أدري مع من أتحدث ولا لمن يجب أن أحكي حكاياتي المتشابكة كجذور شحرة الاوثاب (البنيان) التي تتساقط مع الوقت من على طول الأغصان. بقيت كذلك حتى كانت ليلة ممطرة حالكة السواد..
الزمن
لا أدري أين بالتحديد؟
ربما قبل ولادتي وربما بعده.
لا، بالتأكيد أن ما جرى كان على خريطة وجودي كبشر من ظهر بشر؟
أيعني ذلك أنني كنت شيء آخر أو شخصاً آخر قبلها؟
أنا لا أصدق قصة التناسخ الساذجة، ولا أؤمن بمبدء إنتقال الروح من جسد إلى جسد.
أنا، بدأت بولادة خيالي وقت خروجي من رحم أمي. وما قبلها لا يعدو كونه رحلة لجزء مني من بحر العدم إلى بحر الوجود. شكل تلك الرحلة ادليت عليه حجب كثيفة أما طعمها فلا يزال في فمي حتى اليوم.
لنعد مرة اخرى لقصتي، قأقول بعد حمد الله والثناء عليه:
بأن الأحداث التي بدأت في تلك الجزيرة بعد مراسم الدفن التي انهت قصة حياة صديقي العزيز والذي كان طبيبا محنكاً وفارساً من فرسان الأمل انتشرت وأنا اقف بين الأجداث في متجهين زمنيين: أحدهما نحو الماضي والآخر نحو المستقبل.
تراجعت وتراجعت، فرأيته مولود سعد ولاداه به، ثم رضيع ، ثم صبي، ثم يافع، ثم رجل في عنفوان الشباب..
تقدمت لأرى نفسي كهلاَ، ثم جثة هامدة. رأيت رجل آخر يقف على قبري، وتكررت الصور...
( أرجو أن يعذرني المتصفح إن اشعره حديثي عن الموت بنوع من بالقبض النفسي فليس قصدي الترهيب بل هو معتقد بأن الأمر لا يعدو عن كونه رحلة سبقتها رحلة وستتلوها رحلة وما نعرفه عن كلتا الرحلتين لا يعدو أن يكون مجرد تبطين لتجارب لا يمكن وصفها إلا بما وصفت به ).
الروح
فجأة سكن المطر،
وحل صمت رنان متخم.
كنت يومها وحيداً في بيتي الذي بنيته بيدي التي كما بنت دفنت أصدقاء كثر، أجلس في غرفة أرضها من خشب السنديان وسقفها من خشب الساج. جدران البيت كانت بيضاء اسمنتية خشنة الملمس علقت عليها ألواح رسمها صديق مصري يلقب نفسه "فجنون"، قاصداً بذلك جمع الفن مع الجنون.
لكن الظلام كان دامس حيث كنت أجلس، فغابت عني حتى تلك الخطوط المجنونة التي رسمها فجنون و التي تتراقص بلا توقف رغم أنها مرسومة بحبر على "كنفس".
أين أنا ياترى؟ توارد علي ذلك السؤال فجأة بعد فترة طويلة من الأستغراق التأملي فكان له أثر الحجر على وجه بحيرة ساكنة. في جزيرة في بحر الروح أم في جزيرة في البحر المحيط؟ وتاه على الجواب.
عاد بعدها السكون لوجه بحيرة النفس، لا تكسره سوى ترانيم الروح وتسابيح الكون التى أرتفع بتوقف المطر طنينها.
"أين أنت ياصاح؟" سمعت عندها ومن اللآمعلوم صوت يقول.
تلفت دون أن أحرك ساكناً فإذا به صديقي قد عاد من قبره، كمسافر نسي أمر ما فعاد ليأخذه. لم أذعر ولم يهيبني عودة ميت من قبره بل وقفت خيالياً وعانقته.
" كيف حالك؟ وبما عدت من أرض الأحبة؟" قلت له.
" بما تحب" أجاب.
" هيا حديثني فقد أرهقني طول البعد والفراق"
" خذ ، لقد أحضرت لك هدية! وأخرج لي من قرطاس يحمله كتاب جميل طليت حروفه بماء الذهب."
" من أعطاكه ، ومن كاتبه؟" تلهفت متسائلاً.
"أنت." قال وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساحرة.
"أنا"
" أجل أنت." ولقد أمتعني وسلاني في غربتي.
وعادت لي حواسي فجاة لأجد نفسي في نفس الوضع الذي كنت اجلس فيه ذاكراً في تلك الغرفة المظلمة في تلك الجزيرة النائية. وعاد لي عنوان الكتاب "اللون والطعم والرائحة" الذي أحضره صديقي الذي فات في تلك الرؤية الغريبة وتذكرت أنني لم أكتب قط كتاباً يحمل ذلك العنوان.
الخيال
منذ أمد بعيد وفكرة كتاب عن الحواس تداعبني، لكنني ضللت متردداً في التوقيت والمحتواى فما أنا لأصف مالا يمكن وصفه. ومن يستطيع وصف لون الموز أو رائحتة أو طعمه؟ وما الداعي لوصف ما يمكن ببساطة استيعاب حقيقته بلمسه وشمه وقضمه.
اللون والطعم والرائحة ، يا له من عنوان غريب. ياترى ماذا يمكن أن يحوي كتاب كذاك، بدأت أتسائل؟ وتسللت تلك التساؤلات ونمت كأوراق شجرة جذورها في روحي وجذعها جسدي ولا حد يحدها سوى شواطيء تلك الجزيرة التي كنت أزروها على الأرض والفضاء اللآمتناهي في السماء.
في البداية، ظللت أصور فوتغرافياً بلا ملل ولا كلل حتى اصطبغ الكون من حولي بأطياف لا حصر لها. ثم جلست أكتب فتداخل الشعر بالنثر والمنطق بالخيال، ولم يمضي شهر إلا وكتاب اللون والطعم والرائحة قد ترابطت أوصره وصار ليس مجرد كتاب بل خيال ليس هناك اكثر منه واقعية.
ما بعد الخيال
البعض يتسائل هل للخيال بعد؟
منطقياً فأن كل ما له قبل له بعد.
كيف أعرف مالا يعرفه ولم يتحدث عنه الآخرين؟ قد يتسائل القاريء
في الحقيقة أن ما بعد الخيال ليس سوى تسمية جديدة لمواضيع قديمة ذات تسميات متعددة منها عالم الوجدان وعالم الثابت المتحرك والمعارف الربانية وما إلا ذلك من أسماء. إنها النقطة التي تتوقف قدرة المنطق والخيال على استيعاب التجربة الأنسانية التي تتخطى المألوف والمتعارف عليه. بالطبع الامر ليس بالبساطة التي قد يبدوا فيها، فالطريق لتلك التجربة معقد وله قواعد ومدارس ولا ينصح به إلا لفئة خاصة جداً من أصحاب الهمم، مما جعل الحديث عنها وخاصة في العصور المتاخرة ضرب من الجنون.
لمعرفة المزيد عن الموضوع راجع أحد كتبنا التي تتكلم عن الموضوع بإسهاب
ما يهمنا هنا هو أنني لم انتهيت من كتابة كتابة اللون والطعم والرائحة وجدت نفسي غارقاً في بحور الحس غائب عن الواقع الكوني فكانت ردت فعلي اللآرادية أن أكتب كتاباً يعيد لي الاتزان بين العالم الداخلي والعالم الخارجي فطفت على بحيرة سكوني كلامات جمعتها في سلة ورقية وعنونتها: هزيمة الانتصار؛ اطروحة في بنية الدولة العولمية .
للمزيد عن الكتابين يمكن للمتصفح الكتابة لي مباشرة أو انتظار التحديث الجديد للصفحة التي سيتكلم بتوسع عن كلا العنوانين..
آخر تحديث في 12.10.2004
© Copyright Saud Al-Harkan 2004 - Concept & Layout by Saud Al-Harkan