المرحوم الشيخ محمد بن علي الحركان

في كلمات

 

ولد والدنا العلامة الفقيه الشيخ محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الحركان بالمدينة المنورة في عام 1333 هـ . وهو ينتمي إلى أسرة كبيرة ومعروفة في مدينة عنيزة بالقصيم . انتقل بعض من هذه العائلة إلى المدينة المنورة ولا يزال البعض الآخر مقيماً في القصيم حتى تاريخه . من بين من انتقلوا كما يقول والدنا رحمه الله جده محمد الحركان وابنه علي الذي كان صغيراً في السن حيث كان يعمل جدُّ والدي في ذلك الوقت يعمل في بالتجارة .

نشأ والدنا الشيخ محمد بن علي الحركان رحمه الله وترعرع في كنف والده علي الحركان . كانت دراسته في كل من المسجد النبوي ومدرسة العلوم الشرعية . وهي المدرسة النظامية الوحيدة في المدينة المنورة في ذلك الوقت . وكما هو معلوم أن هذه المدرسة أسسها فضيلة العلامة السيد أحمد الفيض أبادي بالمدينة المنورة . كان التحاق والدي بها كما أعلم في حوالي عام 1340 هـ . وكان عمره وقت التحاقه بهذه المدرسة سبع سنوات . حفظ بهذه المدرسة القرآن الكريم ، وتعلم مبادئ بعض العلوم فيها مثل الخط والحساب والفقه والتوحيد واللغة الغربية وغيرها ... ولقد تمكن بفضل من الله من حفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره .

لم تقتصر دراسته على ما تلقاه في تلك المدرسة بل واصل دراسته في المسجد النبوي الشريف حيث درس على أيدي مشائخ المسجد النبوي الشريف كما هو المتبع في تلك الحقبة من الزمان . فأخذ من حلقات العلم التي تعقد في الحرم النبوي العلوم الدينية من أمهات الكتب الشرعية .

درس والدنا رحمه الله تعالى فنون اللغة العربية وآدابها وأصولها وفروعها على يد عالم المدينة المنورة في الحرم الشريف في تلك الحقبة العلامة الشيخ محمد الطيب الأنصاري التمبكتي رحمه الله . وهو العلامة المهاجر إلى المدينة المنورة من بلاد شنقيط (( موريتانيا )) وكان ممن درس معه عند الشيخ محمد الطيب الأنصاري رحمه الله كل من الأستاذ ضياء الدين رجب رحمه الله والأستاذ المؤرخ محمد حسين زيدان رحمه الله ، وكان هذا المعلم الجليل عالماً فاضلاً ، وشاعراً وفقيهاً . وهو يدرس جميع العلوم في الحرم النبوي الشريف .

ولقد أنهى والدنا رحمه الله الشيخ محمد بن علي الحركان دراسته بالمسجد النبوي سنة 1353 هـ حيث أخذ مكانه في التدريس بالحرم النبوي وكذلك الإمامة في بعض الأوقات ، فعين مدرساً رسمياً بالمسجد النبوي براتب قدره 22 ريالاً شهرياً وعمره 20 علماً وكانت حلقات تدريسه مستمرة وبشكل يومي بالحرم النبوي الشريف حيث كانت له حلقة تدريس بعد صلاة الفجر وأخرى في المساء كما أنه رحمه الله تعالى كان يقضي بقية وقته بالعمل في التجارة بجانب عمله في التدريس .

تزوج رحمه الله من زوجته الأولى في عام 1353 هـ وعمرة 20 عاماً حيث رزق منها عدد من البنين والبنات توفى بعضهم وبقي على قيد الحياة منهم ولدان وأربع بنات .

كما تزوج من زوجته الأخرى في عام 1364 هـ ورزق منها كذلك بنتان وأربع أبناء. وبقيت زوجتاه الاثنان على زمته وفي عصمته إلى أن انتقل إلى مولاه رحمه الله .

في عام 1356 هـ عين قاضياً في العلا بأمر سماحة المرحوم الشيخ عبد الله آل الشيخ رحمه الله تعالى حيث كان سماحته يشغل وظيفة رئيس القضاة بالحجاز آنذاك وكان عمر والدنا رحمه الله وقت تعيينه في سلك القضاة هو 23 عاماً ، ومكث والدنا في القضاء بمدينة العلا عاماً واحداً ، ولكون مدينة العلا في ذلك الوقت تعتبر قرية مقارنة بالمدينة المنورة لم يتمكن من الاستمرار والحياة فيها فتقدم بطلب إلى المغفور له جلالة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله طالباً إعفائه من العمل بالقضاء في مدينة العلا فقدر جلالته مشكوراً ذلك الالتماس المقدم ولبي طلبه ثم عاد إلى المدينة المنورة ليواصل عمله السابق وهو التدريس في الحرم النبوي الشريف وكذلك إدارة أعماله التجارية حيث كان له متجراً صغيراً في سوق الحبابة بالمدينة المنورة .

في عام 1372 هـ تلقي عرضاً من سمو الأمير سعود بن عبد العزيز رحمه الله يوضح الرغبه بتوليه القضاء في جدة بدلاً من الشيخ محمد البيز رحمه الله الذي كان يشغل وظيفة رئيس محكمة جدة ومنح راتباً وقدره 800 ريالاً .

كانت محكمة جدة من البساطة والتواضع حيث لم يكن في هذه محكمة في ذلك الوقت معه قاضيا سوى فضيلة الشيخ محمد محمد المرزوقي رحمه الله . وقد كانت الحكمة تقع في شارع الملك عبد العزيز حيث كانت تشغل حوالي أربع غرف تقريبا تقع في الطابق الثاني مع كراج لبلدية جدة وهذا الموقع هو الآن يقع تقريباً في جزء من موقع المركز التجاري المسمى حالياً بمركز المحمل التجاري .

ظل في القضاء بجدة رئيساً للمحكمة مدة ثمانية عشر عاماً من عام 1372 هـ حتى عام 1390 هـ وفي هذه الفترة نمت وتطورت محكمة جدة مواكبة لتطور المملكة حيث تنقلت في عدد من الأحياء القريبة من مركز البلد لتخدم العامة الناس وذوي الحاجة من الفقراء الذين يسكنون في جدة المشكلين لحوالي 90% من روادها وليتمكنوا من الوصول إلى المحكمة دونما عناء أو كلفة حتى تم العثور على قطعة أرض فسيحة وتحقق هذه الأهداف وسعى لدي الجهات المختصة لإصدار الموافقة والإذن ببناء هذا الموقع ليكون مقراً لهذه المحكمة تتوفر فيه هذه المواصفات كما ازداد عدد القضاة في هذه المحكمة إلى أكثر من ستة قضاة حتى ذلك الوقت خلافاً للقضاة العاملين بالمحكمة المستعجلة بعد فصلها عن المحكمة الشرعية الكبرى التي كانت في السابق محكمة واحدة وكذلك تغير مسمي المحكمة الشرعية إلى محكمة الشرعية كبرى .

كان رحمة الله محباً للعمل حيث كان يعمل وقت وصوله إلى جدة صباحاً في المحكمة وفي المساء كان له مجلس يومي مساءاً في المنزل يقصده من يرغب من سكان جدة على اختلاف طبقاتهم ليحصلوا من وراء هذا اللقاء على الفتوى الشرعية ، أو فض بعض المنازعات صلحاً بين الأطراف المتنازعة ، أو الحصول على استشارات قضائية في أمور شرعية تخص المجتمع .

كلف رحمه الله مع نخبة من علماء والمسؤولين في الدولة وبعض أعيان المملكة لدراسة وضع الطلبة السعوديين المبتعثين للدراسة في الدول العربية في عهد الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله فترأس وفد المملكة هذا وكان ذلك قبل افتتاح جامعة الملك سعود بالرياض ، وعلى إثر تلك الدراسة وقبل عودة الطلاب المبتعثين لتكملة دراستهم في المملكة تبرع جلالة الملك سعود بالسبع القصور التي كان يسكنها في مدينة جدة لتكون مقراً لسكن الطلاب عند عودتهم للدراسة في المملكة . وهو ذلك الموقع الذي تشغله في الوقت الراهن الإدارة العامة للتعليم بمحافظة جدة .

شارك رحمه الله في ذلك الوقت الذي كان رئيسا لمحكمة جدة الشرعية في دراسة عدد من المواضيع الشرعية التي نهم المجتمع خلافاً لمواضيع القضاء مثل إعطاء بعض التصورات وتقديم عدداً من الحلول الشرعية التي يتطلبها الوضع المستقبلي بعد الانتهاء من عمرة الحرم المكي الشريف في عهد الملك سعود بن عبد العزيز وهو ما سوف يثار من مشكله وعدم قناعة في ضم المسعى إلى الحرم المكي بعد أن كان منفصلا عنه وقت القيام بهذه توسعة للمسجد الحرام المكي .

كلف رحمه الله بتقديم دراسة وتصور لمنهاج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمواد التي يتطلب تدريسها في هذه الجامعة قبل افتتاحها .

 

صدر أمراً ملكياً بتحويل رئاسة القضاء إلى وزارة العدل وكان ذلك سنة 1391 هـ وحيث تم هذا الأمر في عهد جلالة المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز يرحمه الله .

في عام 1391 هـ نفسه صدر مرسوماً ملكياً بتعيينه وزيراً للعدل ليكون أو وزيراً للعدل بالمملكة العربية السعودية ، فانتقل من جدة إلى الرياض وظل رحمه الله بهذه الوزارة حتى عام 1395 هـ حيث تم إحالته على التقاعد.

ترأس وفد الحوار الإسلامي المسيحي بالفاتيكان وقت أن كان وزيراً للعدل بهدف شرح ودحض الشيهات التي يثيرها النصارى تجاه بعض المواقف الإسلامية في كثير من أمور الدين والدنيا .

امتدت الزيارة إلى كل من جنيف وباريس لتحقيق الهدف ذاته .

 

تم ترشيحه بعد حصوله على التقاعد للعمل برابطة العالم الإسلامي وكان ذلك الترشيح بعد إحالته إلى التقاعد بفترة من الزمن حيث أنه أصبحاً في هذا الموقع خلفاً الشيخ محمد صالح القزاز رحمه الله . وتم ذلك في شهر ذي القعدة عام 1396 هـ حيث أصبح رحمه الله الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي وانتقل من الرياض إلى مقر عمله الجديد بمكة المكرمة . وقد كان في هذا المنصب يمثل ثالث الأمناء العامين لرابطة العالم الإسلامي بعد الشيخ محمد سرور صبان أول أمين للرابطة ، والشيخ محمد صالح القزاز الأمين الثاني للرابطة رحمهم الله جميعاً .

زار رحمة الله بحكم عمله في هذا المنصب عدداً كبيراً من بلدان العالم لتفقد أحوال المسلمين وأبنائهم .

 

كان رحمه الله حريصاً على نشر الإسلام وإيصال المصحف الشريف إلى جميع الأقطار والجماعات حيث تم توزيع أكثر من ثلاثة ملايين نسخة من القرآن الكريم على الجاليات الإسلامية .

قيامه بزيارة الاقليات الإسلامية في كل من آسيا وأوربا وأفريقيا والأمريكتين من أجل تفقد أحوال المسلمين ، ومناصرة قضاياهم ، وترأس وشارك في عدد من المؤتمرات الإسلامية كان من بينها المؤتمر الإسلامي العالمي للمنظمات الإسلامية الذي عقد في مكة المكرمة بدعوة من رابطة العالم الإسلامي سنة 1394 هـ وهو المؤتمر الذي انطلقن منه أنشطة الدعوة الإسلامية في العالم تحت شعار " واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ... "

ترأس رحمه الله اجتماع الدورة الثالثة للمجلس القاري لمساجد أوربا والمنعقد في بروكسل الذي نشأ نتيجة لجهود مشكورة قامت بها رابطة العالم الإسلامي ومن ثمرة ذلك ما تم خلاله من توصيات هامة تخص العالم الإسلامي .

كانت آخر رحلة لمعاليه رحمه الله زيارته في شهر صفر 1403 هـ إلى دول جنوب شرق آسيا حيث افتتح المجلس المحلي للمساجد في ماليزيا ، والمجلس القاري لمساجد آسيا والباسفيك ومقره في جاكرتا عاصمة إندونيسيا وهذا العمل هو نظير ما قامت به الرابطة من جهد في أوربا ، وكذلك المركز الإسلامي الجديد في طوكيو باليابان . حيث داهمه مرض القلب هناك وخضع للعلاج في مستشفيات طوكيو .

كان رحمة الله يشغل عددا من المناصب بجوار عمله في الرابطة وهي :

عضواً في مجلس القضاء الأعلى .

وعضواً في هيئة الدعوة الإسلامية التي يرأسها سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز .

وعضواً في هيئة كبار العلماء .

وعضواً في مؤسسة الملك فيضل الخيرية .

وعضواً بهيئة جائزة الملك فيضل العالمية بالرياض .

ويشغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى العالمي للمساجد بالرابطة .

ونائباً لرئيس المجمع الفقهي بالرابطة .

لم يقتصر عمله مشاركاته على ما تقدم بل له عدد من المحاضرات وخطب العيدين في عدد من المناسبات أيام كان يشغل وظيفة رئيس محكمة بجدة أو وزارة العدل بالرياض أو في رابطة العالم الإسلامي منها محاضرته في جدة بعنوان " دور الإعلام في الدعوة الإسلامية وقضيا الأمة الإسلامية في مساء الأربعاء 26/10/1402 هـ .

 

 

وفاته رحمه الله :

انتقل إلى رحمة الله تعالى بمستشفي الحرس الوطني بجدة في يوم الجمعة 7/9/1403 هـ ودفن بمكة المكرمة في مقبرة المعلاة .

 

لقدتم نعيه و تحدث عنه بعد وفاته رحمه الله عدد من الشخصيات والكتاب في عدد من الصحف والمجلات المحلية والأجنبية منها على سبيل المثال جريدة عكاظ اليومية في عددها 6229 يوم الأحد الموافي 9 رمضان 1403 هـ ، ومجلة رابطة العالم الإسلامي الشهرية في عددها العاشر من شهر 1403 هـ ، ومجلة رسالة المسجد الشهرية ، وجريدة الأهرام بالقاهرة

 

                سليمان بن محمد الحركان